29 - 10 - 2026

كلام والسلام | حاكم عاقل.. وشعب مجنون!

كلام والسلام | حاكم عاقل.. وشعب مجنون!

بكي الحاكم حزناً على شعب .. يرفض كل سبل العبقرية؛ ويريد العيش بالصدفة!

جلس الحاكم العاقل جداً في مكتبه الفاخر، يطالع من النافذة جموع الشعب التى تتحرك في الشوارع.. بلا كتالوج.

كان الحاكم يرتدي نظارة الحكمة، ويحمل في جيبه خططاً استراتيجية؛ تكفي لإدارة الكوكب كله.

لكنه لسوء حظه التاريخي، كان يحكم شعباً مصاباً بالجنون المزمن.

دخل عليه رئيس الوزراء وعلى وجهه علامات الفزع، وهو يحمل ملفاً أحمر مكتوباً عليه : عاجل وسري للغاية؛ ولن يفهمه الشعب.

وضع رئيس الوزراء الملف على المكتب وقال بأسى:

سيادة الحاكم.. لقد خسرنا الرهان مجدداً. الشعب يرفض الالتزام بالنظريات الاقتصادية الحديثة.

تنهد الحاكم تنهيدة هزت أركان الغرفة، ونظر إلى الخريطة المعلقة خلفه قائلاً:

أنا وضعت لهم خطة عبقرية لحل أزمة المرور . اقترحت أن يخرج أصحاب الأرقام الزوجية يوم السبت ، والفردية يوم الأحد ، والذين بلا أرقام يسيرون على أقدامهم يوم الاثنين .

فماذا فعلوا ؟

رد رئيس الوزراء وصوته يرتجف:

قد باعوا السيارات واشتروا تكاتك بلا أرقام، ونزلوا جميعاً طوال الأسبوع ؟!

ضرب الحاكم المكتب بيده:

شعب مجنون.. شعب يعشق الفوضى المنظمة .

ألم نوفر لهم مصل المصلحة العامة مجاناً في الوحدات الصحية؟

لماذا لم يذهب أحد للتطعيم ضد الغباء الاجتماعي؟

أطرق رئيس الوزراء رأسه في الأرض :

للأسف يا فندم.. انتشرت إشاعة على فيسبوك؛ تقول إن المصل يحتوي على مادة تجعل المواطن يحب دفع الفواتير في موعدها، فقرروا مقاطعته.. حمايةً للهوية الوطنية!

عدّل الحاكم نظارته وفتح ملف الاقتصاد:

حسناً.. وماذا عن مشروع مواطن منتج لكل متر مربع؟ لقد خفضنا سعر الطماطم ؛ ليكون في متناول الجميع ، وشجعناهم على زراعة البلكونات بالياسمين ؛ لتصديره لجلب العملة الصعبة.

تنحنح رئيس الوزراء وقال :

المواطنون استغلوا الطماطم الرخيصة في عمل مسبكات ثقيلة؛ أدت إلى كسل جماعي.

وبدلاً من زراعة الياسمين، استخدموا البلكونات لتربية الفراخ والماعز.

والآن لدينا خمسة ملايين تيس؛ يشاركون المواطنين آراءهم السياسية على المقاهي!

وقف الحاكم العاقل واقترب من النافذة، ونظر إلى رجل يعبر الشارع من فوق الكوبري المخصص للمشاة، بل إنه في الحقيقة كان يتسلق الحاجز الحديدي ؛ ليعبر من تحت الكوبري مباشرة وسط السيارات السريعة!

التفت الحاكم إلى رئيس وزرائه وقال بمرارة:

هل رأيت ؟ يتركون النفق الآمن، ويعبرون طريق الموت، وعندما تصدمهم سيارة؛ يطالبون الحكومة بتعويض عن سوء التخطيط !

إنه شعب يحب المشي عكس الاتجاه، حتى في مشاعره .

إذا رفعت رواتبهم قالوا: الحكومة تخطط لرفع الأسعار.

وإذا خفضت الأسعار قالوا: السلع منتهية الصلاحية.

تنهد رئيس الوزراء وسأل:

وما العمل الآن يا سيادة الحاكم العاقل؟ المؤتمر الدولي للمانحين غداً، وهم يريدون جدولاً زمنياً للإصلاح.

ابتسم الحاكم ابتسامة فيلسوف يائس، فتح درج مكتبه، وأخرج مرسوماً رئاسياً جديداً وقعه بجرأة، ثم قال:

اكتب عندك  ..

يُلغى العقل في جميع المصالح الحكومية والخاصة ابتداءً من الغد. من يريد أن يربط حماراً في عمود الإنارة فليفعل، ومن يريد إقامة فرح في منتصف الطريق الدائري فله كل التسهيلات. سنحكمهم بالجنون الذي يحبونه!

نظر إليه رئيس الوزراء بذهول:

وهل سينجح هذا يا سيدي ؟

أجابه الحاكم وهو يغلق الملف ويمشي نحو باب الخروج:

ستشاهد بنفسك.. غداً ستجد الشوارع هادئة، والاقتصاد ينتعش، والكل يبتسم.

فالشعب المجنون لا يسعده شيء مثل أن يرى حكومته؛ قد فقدت عقلها هى أيضا!
--------------------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

كلام والسلام | حاكم عاقل.. وشعب مجنون!